من ملاعب التايكوندو، حيث مثّل المنتخب السعودي ونافس على المستوى العالمي، إلى العمل الإداري في نادي الاتفاق والاتحاد السعودي لكرة القدم واللجنة الأولمبية السعودية، وصولاً إلى عضوية المجلس الأولمبي الآسيوي؛ امتدت تجربة محمد المسحل عبر محطات متعددة، جعلت منه شاهدا على 40 عاماً من تحولات الرياضة السعودية، ومواكبا لتفاصيل صناعة القرار الرياضي وتطور مؤسساته. في حوار موسع خاص مع «عكاظ»، يستعيد المسحل محطات من مسيرته، ويتحدث عن ارتباط عائلته بنادي الاتفاق، وأسباب انسحابه من سباق رئاسة اتحاد القدم لصالح شقيقه ياسر، ويطرح رؤيته لمستقبل اللاعب السعودي في ظل استقطاب النجوم الأجانب. كما يتناول تحديات صناعة الأبطال والبطلات، مؤكدا أن الإنجاز الأولمبي لا يتحقق بالمصادفة أو الجهود المتفرقة، بل يحتاج إلى مشروع وطني يبدأ من مراحل الطفولة المبكرة. ويكشف رأيه في خصخصة الأندية والفوارق المالية بينها، والتحكيم والتعصب الرياضي، والسبل الكفيلة بتحويل استضافة البطولات الكبرى إلى إرث مستدام من الخبرات والكفاءات الوطنية. فإلى نص الحوار: • كيف كانت بدايتك مع الرياضة، ومن أبرز الشخصيات التي كان لها الأثر الأكبر في مسيرتك الرياضية والإدارية؟ •• بدأت علاقتي بالرياضة تقريباً في عام 1980، عندما مارست كرة القدم في الفئات السنية بنادي الاتفاق، وكنت في الوقت نفسه أمارس رياضة التايكوندو.ومع مرور الوقت، وجدت أن الجمع بين الدراسة وممارسة اللعبتين أصبح صعباً، فقررت التوقف عن كرة القدم والتركيز على دراستي وعلى رياضة التايكوندو، التي حققت فيها أربع بطولات على مستوى المملكة، ومثلت المنتخب السعودي، ووصلت إلى مرحلة كنت فيها منافساً على بطولة العالم في وزني.لكن إصابة قوية تعرضت لها عام 1986 أنهت مشاركتي في هذه الرياضة. وخلال دراستي الجامعية، مارست كرة القدم مع فريق جامعة البترول والمعادن.أما في الجانب الإداري، فقد بدأت تجربتي من خلال عضوية مجلس إدارة نادي الاتفاق خلال الفترة من 1999 إلى 2011، ثم انتقلت إلى العمل في الاتحاد السعودي لكرة القدم، حيث كنت عضواً في مجلس الإدارة ومسؤولاً عن المنتخبات الوطنية، وعملنا خلال تلك المرحلة على إعداد استراتيجية لتطوير كرة القدم السعودية.وفي مطلع عام 2012، توليت منصب الأمين العام للجنة الأولمبية السعودية، وكانت تلك تجربة مختلفة أتاحت لي العمل على ملفات الاتحادات الرياضية والاستراتيجيات المرتبطة بتطويرها.وفي وقت لاحق من العام نفسه، انضممت إلى المكتب التنفيذي للمجلس الأولمبي الآسيوي، خلال فترة رئاسة الشيخ أحمد الفهد، وشاركت في أعمال تتعلق بتقييم المدن المرشحة لاستضافة دورات الألعاب الآسيوية وزياراتها.وفي مطلع عام 2015، قررت الابتعاد عن العمل الرياضي الرسمي، والتفرغ لأعمالي الخاصة والاستشارات الرياضية.أما الشخصيات التي أثرت في مسيرتي، فهناك أشقائي الذين نشأت معهم في بيئة رياضية، وشقيقي الأكبر، رحمه الله، الذي كان له أثر كبير في حياتي، إلى جانب شخصيات رياضية تعلمت منها الكثير، من أبرزها الراحل عبدالله الدبل، والكابتن خليل الزياني، وعدد من رجالات نادي الاتفاق الذين كانت لهم بصمات واضحة في مسيرتي. • هل ترى أن الانتقال من ممارسة الرياضة إلى العمل الإداري يُعد تطوراً طبيعياً في مسيرة الرياضي؟ •• أعتقد أن انتقال الرياضي من الممارسة إلى العمل الإداري يُعد تطوراً طبيعياً في كثير من الحالات، خصوصاً عندما يكون قد نشأ في بيئة رياضية واكتسب خبرات مبكرة في التعامل مع الأندية والفرق واللاعبين.فالرياضي الذي يمتلك خلفية جيدة عن طبيعة المنافسات والتدريبات واحتياجات اللاعبين، ثم يدعم هذه المعرفة بالدراسة والتأهيل والخبرة العملية، تكون لديه فرصة جيدة للنجاح في الإدارة الرياضية.وبالتأكيد، لا يعني ذلك أن كل لاعب سينجح بالضرورة في العمل الإداري، لكن الخبرة الرياضية السابقة تمنح صاحبها قاعدة مهمة يمكن البناء عليها، سواء في إدارة الأندية أو المنتخبات أو الاتحادات والمؤسسات الرياضية. • تنقلت بين العمل الإداري في نادي الاتفاق والاتحاد السعودي لكرة القدم واللجنة الأولمبية السعودية، ماذا أضافت لك هذه التجارب، وكيف أسهمت في تطوير خبراتك الإدارية والقيادية؟ •• كل تجربة من هذه التجارب أضافت لي جانباً مختلفاً من المعرفة والخبرة. ففي نادي الاتفاق تعلمت الكثير عن إدارة الفرق والأندية، وطبيعة العلاقة مع اللاعبين والأجهزة الفنية والإدارية، وكيفية التعامل مع الجوانب النفسية للاعبين والمدربين، وكذلك مع الجماهير والإعلام.وعندما انتقلت إلى العمل في الاتحاد السعودي لكرة القدم، وتحديداً في ملف المنتخبات الوطنية، أصبحت المسؤوليات أوسع، لأن العمل لم يعد مرتبطاً بنادٍ واحد، بل بالتعامل مع أندية متعددة ولاعبين وأجهزة فنية مختلفة.وهناك تعلمت الكثير عن إعداد المعسكرات والبرامج الفنية، وإدارة الميزانيات، والتنسيق مع الأندية، والتعامل مع العوائق والإجراءات الإدارية التي قد تؤثر في سير العمل.أما تجربة اللجنة الأولمبية السعودية، فقد فتحت أمامي مجالاً أوسع للتعامل مع الاتحادات الرياضية المختلفة والمؤسسات الرياضية الدولية، والتعرف على جوانب مهمة من العلاقات الدولية والدبلوماسية الرياضية.كما أتاحت لي المشاركة في بعض الملفات التنظيمية، ومنها الإشراف على إجراءات مرتبطة بانتخابات بعض الاتحادات الرياضية.وأعتقد أن مجموع هذه التجارب منحني رؤية أشمل لطبيعة العمل الرياضي، من مستوى النادي إلى مستوى المنتخب، ثم إلى مستوى المؤسسات الرياضية الوطنية والدولية. • عائلة المسحل ارتبط اسمها بنادي الاتفاق والعمل الرياضي منذ عقود، كيف بدأت هذه العلاقة، وما سر استمرار حضور أفراد العائلة في المناصب الرياضية والإدارية؟ •• ارتباط عائلتنا بنادي الاتفاق يعود إلى سنوات طويلة، فوالدي وعمي كانا من المؤسسين والداعمين للنادي، ونشأنا في بيئة قريبة جداً من الرياضة ومن نادي الاتفاق تحديداً.وكان أشقائي الأكبر سناً يمارسون كرة القدم في النادي خلال أواخر السبعينيات، ثم بدأت أنا أيضاً لاعباً قبل أن أنتقل لاحقاً إلى العمل الإداري.أما شقيقي ياسر، فقد بدأ العمل الإداري مبكراً، ولم يكن مسجلاً لاعباً في النادي، وكان يتولى تمثيل الاتفاق في بعض الاجتماعات والمناسبات التي تقام في الرياض، ومنها الاجتماعات وقرعات المسابقات.ومع مرور الوقت، اتجهنا أنا وياسر إلى تطوير أنفسنا علمياً في مجال الإدارة الرياضية، ودرسنا القانون الرياضي الدولي، وحصلنا على درجتي الماجستير من مدينة فالنسيا الإسبانية، إلى جانب المشاركة في دورات وبرامج متخصصة، من بينها ما يتعلق بمكافحة المنشطات.كذلك فإن شقيقي حاتم درس في المجال الرياضي، وعمل في الإدارة الرياضية وتولى مسؤوليات تنفيذية وإشرافية.أما شقيقي سامر، وهو أكبر من حاتم، فقد كانت له أيضاً تجربة إدارية، ووصل إلى رئاسة نادي الاتفاق.وأعتقد أن استمرار حضور أفراد العائلة في العمل الرياضي يعود إلى نشأتنا في هذه البيئة، وإلى الاهتمام المبكر بالرياضة، ثم الحرص على اكتساب المعرفة والخبرة اللازمة للعمل الإداري. • سبق أن انسحبت من الترشيح لرئاسة اتحاد القدم لصالح شقيقك ياسر، هل ندمت على القرار؟ •• لا، لم أندم على هذا القرار إطلاقاً. فقد كنت أرى أن شقيقي ياسر يمتلك المقومات والخبرات التي تؤهله لتولي رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم، وفي الوقت نفسه كانت لدي ظروف شخصية تجعل من الصعب عليّ تحمل مسؤوليات هذا المنصب بالشكل الذي أريده.ولذلك رأيت أن انسحابي وإتاحة الفرصة له هو القرار المناسب في ذلك الوقت.وأعتقد أن ما قدمه ياسر خلال فترة رئاسته يؤكد أنه كان مؤهلاً لهذه المسؤولية، ولذلك لا أشعر بأي ندم على القرار الذي اتخذته. • كيف تقيّم تجربة شقيقك ياسر المسحل في رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم، وهل ترى أن نتائج المنتخبات الوطنية تعكس حجم العمل الذي قدمه خلال فترة رئاسته؟ •• أقيّم تجربة ياسر في رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم بأنها ناجحة بنسبة لا تقل عن 90%.وأرى أن من أبرز ما تحقق خلال فترة عمله تعزيز الجانب المؤسسي والمهني داخل الاتحاد، وتطوير آليات العمل، وبناء علاقات قوية مع المؤسسات الرياضية الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الآسيوي.كما أعتقد أنه ترك خلفه كوادر مؤهلة وقادرة على مواصلة العمل داخل الاتحاد، وهذا جانب مهم عند تقييم أي مسؤول، لأن النجاح لا يرتبط فقط بالنتائج المباشرة، بل أيضاً بما يتركه من عمل مؤسسي يستمر بعد مغادرته.أما نتائج المنتخبات الوطنية، فلا أرى أنه من العدل تحميل رئيس الاتحاد وحده مسؤوليتها، لأن نتائج كرة القدم تتأثر بعوامل كثيرة، بعضها يقع خارج نطاق سيطرة الاتحاد.وبالتالي، فإن تقييم تجربة رئاسة الاتحاد يجب أن يكون شاملاً، وأن يأخذ في الاعتبار التطوير الإداري والمؤسسي والعلاقات الدولية والبرامج المنفذة، إلى جانب النتائج الفنية للمنتخبات. • هل يشكّل وجود عدد من أشقائك في مناصب قيادية رياضية مختلفة ضغوطاً إضافية عليكم، سواء على المستوى الأسري أو الإعلامي والجماهيري؟ •• أعتقد أن الضغط الأكبر لا يقع علينا نحن بقدر ما يقع على أفراد الأسرة، وخصوصاً الوالدة والأقارب الذين يتأثرون بما يُقال أو يُكتب عنا، سواء كان إيجابياً أو سلبياً.أما نحن، فقد اعتدنا طبيعة العمل الرياضي، ونعرف أن من يتولى مسؤولية في هذا المجال سيكون عرضة للنقد والضغوط الإعلامية والجماهيرية.ولذلك نحاول التعامل مع هذه الأمور باعتبارها جزءاً من المسؤولية الرياضية، لكن يبقى تأثيرها على الأسرة أكبر، لأن أفرادها يتابعون ما يحدث بعاطفة مختلفة. • سبق أن أشرفت على مشروع لتطوير المنتخبات السعودية ووضع استراتيجية لمستقبل كرة القدم، ما أبرز ملامح ذلك المشروع، ولماذا لم يستمر العمل به؟ •• في البداية، أود التأكيد أن ذلك المشروع لم يكن مشروعاً شخصياً لي، وإنما كان مشروعاً وطنياً جاء بتوجيه من الأمير نواف بن فيصل بن فهد، الذي كان يتولى آنذاك رئاسة الرئاسة العامة لرعاية الشباب والاتحاد السعودي لكرة القدم.وعملنا خلال تلك المرحلة على وضع استراتيجية لتطوير كرة القدم السعودية، تضمنت برنامجاً لتطوير المنتخبات الوطنية، وكان المشروع يحمل أفكاراً جديدة تتناسب مع احتياجات كرة القدم في ذلك الوقت.ومن المهم الإشارة إلى أن الميزانيات التي كنا نعمل بها آنذاك كانت محدودة جداً مقارنة بالإمكانات المتاحة اليوم، وربما لم تكن تصل إلى 10% من الميزانيات الحالية.وبعد مغادرتي الاتحاد، تولى الكابتن أحمد عيد المسؤولية، وسمعت لاحقاً أن العمل بالبرنامج توقف، وأنه جرى استبداله ببرامج أخرى.لكنني لا أعرف التفاصيل الدقيقة لما حدث، ولا الأسباب التي أدت إلى عدم استمرار المشروع، لأنني كنت قد انتقلت إلى العمل في اللجنة الأولمبية السعودية، ثم ابتعدت عن العمل الرياضي الرسمي عام 2015.ولذلك لا أستطيع إصدار حكم على قرار إيقاف البرنامج أو تغييره من دون معرفة الظروف والتفاصيل التي أحاطت به. • نُسب إليك في تصريح سابق أن الإدارة الرياضية تُدار بـ«النظارات الملونة»، فهل ترى أن الميول والتعصب للأندية يؤثران في القرارات الرياضية، خصوصاً لدى من يتولون المناصب القيادية؟ •• في الحقيقة، لا أتذكر أنني قلت إن الإدارة الرياضية تُدار بـ«النظارات الملونة»، وأحتاج إلى معرفة مصدر التصريح وسياقه حتى أستطيع التعليق عليه بصورة دقيقة.أما فيما يتعلق بالميول الرياضية، فمن الطبيعي أن يكون لدى الإنسان انتماء أو ميول لنادٍ معين، لكن المشكلة تبدأ عندما يسمح المسؤول لهذه الميول بالتأثير في قراراته أو تقديم مصلحة ناديه على المصلحة العامة. وهذا أمر أراه سلبياً بالتأكيد. لكنني، خلال تجربتي في العمل الرياضي السعودي، لم أشاهد مسؤولاً يضع مصلحة ناديه فوق مصلحة الوطن. ولذلك أرى ضرورة التمييز بين الانتماء الرياضي الطبيعي وبين التعصب الذي قد يؤثر في عدالة القرارات، وعدم إطلاق أحكام عامة من دون وجود وقائع واضحة. • لماذا لا تزال الرياضة السعودية تواجه تحديات في صناعة الأبطال الأولمبيين رغم الإمكانات الكبيرة المتاحة، وما الذي نحتاجه للوصول إلى منصات التتويج العالمية؟ •• أعتقد أن البطل الأولمبي لا يظهر بالمصادفة، ولا يمكن الاعتماد في صناعته على المبادرات الفردية أو الجهود المتفرقة، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني متكامل يبدأ من مراحل مبكرة جداً. وأنا أذهب إلى أبعد من ذلك، فأرى أن صناعة البطل يمكن أن تبدأ حتى قبل ولادته، من خلال الاهتمام بصحة الأم وتثقيفها صحياً وبدنياً، ثم الاهتمام بالطفل منذ سنواته الأولى وتشجيعه على الحركة والنشاط البدني.وبعد ذلك يأتي دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية والرياضية في اكتشاف ميول الطفل وقدراته وتوجيهه بصورة علمية.فعندما يصل الطفل إلى سن الخامسة أو السادسة أو السابعة، يمكن إخضاعه لتقييمات علمية مناسبة لعمره، تشمل الجوانب البدنية والنفسية والفسيولوجية، وبعض المؤشرات الوراثية والهرمونية والنمائية التي قد تساعد المختصين على فهم قدراته واستعداداته الرياضية.وهذه المؤشرات لا تعني الجزم بأن الطفل سيصبح بطلاً في لعبة معينة، لكنها قد تساعد على توجيهه إلى الرياضات الأكثر ملاءمة لقدراته، ثم متابعته وتطويره مع تقدمه في العمر.وأعتقد أننا بحاجة إلى منظومة وطنية لاكتشاف المواهب، تشارك فيها جهات متعددة، وفي مقدمتها وزارات الصحة والتعليم والرياضة، بحيث لا يبدأ دور القطاع الرياضي من الصفر، بل يتسلم جيلاً يتمتع بالصحة والتعليم والانضباط والقدرات البدنية المناسبة.كما أن المملكة تمتلك تنوعاً جغرافياً وبيئياً كبيراً، من السواحل الطويلة إلى الجبال والصحارى والسهول، وهذا التنوع يمنحنا فرصاً واسعة لتطوير رياضات مختلفة، مثل السباحة والسباحة في المياه المفتوحة والغوص وغيرها.ولدينا كذلك الإمكانات البشرية والمالية، والأمن والاستقرار، والدعم الكبير من القيادة، وهي مقومات مهمة يمكن البناء عليها لتحقيق إنجازات أولمبية.لكنني أرى أن الأمر يحتاج إلى استراتيجية وطنية شاملة، تتولاها جهة عليا تتجاوز نطاق المؤسسات الرياضية وحدها، وتنسق عمل جميع الجهات المعنية بصناعة الأبطال.ولا أعرف إن كان هناك مشروع وطني متكامل يُنفذ حالياً بهذه الصورة، ولا أرى مؤشرات واضحة أمامي تؤكد وجوده، لكنني أتمنى أن نشهد مثل هذه الاستراتيجية، لأن صناعة الأبطال تحتاج إلى تخطيط طويل المدى وعمل علمي مستمر. • كيف تقيّم تجربة خصخصة الأندية السعودية وتأثيرها على المنافسة في دوري روشن؟ وهل ترى أن نادي الاتفاق قادر على منافسة الأندية المدعومة مالياً في ظل الفوارق الكبيرة في الميزانيات؟ •• أعتقد أن تجربة الخصخصة والدعم الذي حصلت عليه بعض الأندية من جهات استثمارية كبرى، مثل صندوق الاستثمارات العامة وأرامكو وغيرها، أحدثا تحولاً كبيراً في الإمكانات المالية للأندية السعودية. لكن من الطبيعي أن تنعكس الفوارق الكبيرة في الميزانيات على مستوى المنافسة. فعندما يمتلك نادٍ ميزانية تبلغ 500 مليون ريال، بينما يمتلك نادٍ آخر ميزانية في حدود 50 مليون ريال، فمن الصعب أن نتوقع منهما القدرة نفسها على استقطاب اللاعبين أو بناء الفرق. فالقدرة المالية تمنح النادي فرصة التعاقد مع لاعبين أعلى جودة، وبالتالي ترتفع فرصه في تحقيق النتائج. ومن هذا المنطلق، أرى أن نادي الاتفاق يقدم عملاً يستحق التقدير عند مقارنة إمكاناته بإمكانات الأندية التي تتفوق عليه مالياً.بل إنني أعتبر أن ما يحققه الاتفاق، قياساً بالفوارق الكبيرة في الميزانيات، يشبه إنجاز الفريق الذي ينافس على البطولة. وأعتقد أن الاتفاق كان يحتل المركز السابع في الترتيب وقت حديثنا، فيما كان الدرعية في المركز الثامن، لكن الأهم بالنسبة لي ليس المركز وحده، وإنما تقييم النتائج وفق الإمكانات المتاحة لكل نادٍ. فمن غير المنطقي أن نستخدم المعيار نفسه للحكم على فريق يمتلك ميزانية ضخمة وآخر يعمل بموارد أقل بكثير. • كيف تقيّم واقع الرياضة السعودية في المرحلة الحالية، وهل ترى أن التركيز على استضافة الأحداث الرياضية العالمية انعكس على صناعة الأبطال وتحقيق الإنجازات الأولمبية؟ •• أرى أن تقييم واقع الرياضة السعودية يجب أن ينطلق من ثلاثة محاور رئيسية. المحور الأول هو الحضور الدولي والتسويقي للرياضة، وما يمكن أن نسميه القوة الناعمة، وقد حققت المملكة في هذا الجانب حضوراً كبيراً من خلال استضافة أحداث عالمية مهمة، مثل سباقات الفورمولا 1 والملاكمة والتنس وغيرها. وهذه الاستضافات أسهمت في تعزيز الحضور الدولي للمملكة والتعريف بما تمتلكه من إمكانات وقدرات تنظيمية.أما المحور الثاني فهو الرياضة المجتمعية، أي زيادة نسبة ممارسة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة وجودة الحياة. وأعتقد أن التقارير والمؤشرات التي تُنشر تشير إلى تحسن في معدلات ممارسة الرياضة، وهذا أمر إيجابي ومهم. لكن المحور الثالث، وهو الأهم عند الحديث عن الميداليات والبطولات، يتمثل في رياضة الإنجاز. وأقصد بذلك صناعة الرياضيين القادرين على المنافسة في الألعاب الأولمبية والألعاب الآسيوية والألعاب الأولمبية للشباب وغيرها من البطولات الكبرى. وهذا الجانب يحتاج إلى مشروعات كبيرة ومتخصصة داخل كل اتحاد رياضي، ضمن استراتيجية وطنية متكاملة، وبإشراف على مستوى قيادي عالٍ يضمن التنسيق بين الجهات المختلفة. فنجاحنا في استضافة الأحداث العالمية أمر مهم، لكنه يختلف عن صناعة الأبطال، ولكل منهما متطلباته وبرامجه وأهدافه. • كيف ترى تطور الدوري السعودي بعد استقطاب النجوم العالميين؟ •• لا شك أن الدوري السعودي تطور كثيراً من الناحيتين التسويقية والجماهيرية، وأن استقطاب النجوم العالميين منحه شهرة وانتشاراً كبيرين.لكنني أرى أن زيادة عدد اللاعبين الأجانب أثرت في فرص مشاركة اللاعب السعودي، وأصبحت دقائق اللعب المتاحة له أقل مما يحتاج إليه لتطوير مستواه. وهذا أمر يقلقني، لأن اللاعب لا يمكن أن يتطور بالجلوس على مقاعد البدلاء، بل يحتاج إلى المشاركة المستمرة والاحتكاك بالمنافسين واكتساب الخبرة داخل الملعب. ومن وجهة نظري، يمكن للأندية التعاقد مع ثمانية أو عشرة لاعبين أجانب أو أكثر، لكنني أفضل ألا يزيد عدد الأجانب الموجودين في قائمة المباراة على خمسة لاعبين. وبهذه الطريقة، نمنح اللاعب السعودي فرصة أكبر للمشاركة، ونوسع قاعدة اللاعبين الذين يستطيع مدرب المنتخب الوطني الاختيار من بينهم. وأتذكر أننا في مراحل سابقة كنا نستقطب نجوماً كباراً، مثل ريفالينو وبوكير ونجيب الإمام، وكان عدد اللاعبين الأجانب محدوداً، ومع ذلك كان الدوري يحظى بالاهتمام، وكان اللاعب السعودي يحصل على فرص أكبر للمشاركة. وفي الوقت الذي بدأت فيه منتخبات أخرى العمل بصورة منظمة على صناعة اللاعبين وتطويرهم، ظل اعتمادنا بدرجة كبيرة على المواهب التي تظهر بصورة طبيعية. ولذلك أخشى أن تؤدي قلة دقائق مشاركة اللاعب السعودي إلى نتائج سلبية على المدى الطويل، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل المنتخبات الوطنية. • ما العدد المناسب للاعبين الأجانب في قائمة مباريات الدوري السعودي من وجهة نظرك؟ •• من وجهة نظري، لا توجد مشكلة في أن يتعاقد النادي مع ثمانية أو عشرة لاعبين أجانب، أو حتى أكثر من ذلك، وفق احتياجاته وإمكاناته.لكنني أرى أن العدد المناسب في قائمة المباراة، أو ما يُعرف بـ«السكور شيت»، هو خمسة لاعبين أجانب كحد أقصى. فالهدف ليس منع الأندية من التعاقد مع اللاعبين الأجانب، وإنما ضمان وجود مساحة كافية لمشاركة اللاعبين السعوديين. وعندما يكون الحد الأقصى خمسة أجانب في قائمة المباراة، ستزداد فرص مشاركة اللاعبين المحليين، وسيحصل عدد أكبر منهم على دقائق لعب تساعدهم على تطوير مستوياتهم واكتساب الخبرة. وهذا سينعكس في النهاية على قاعدة الاختيار المتاحة للمنتخبات السعودية. • هل يمتلك اللاعب السعودي الموهبة التي تؤهله لمنافسة النجوم الأجانب والاحتراف في الدوريات الأوروبية؟ •• أعتقد أن اللاعب السعودي يمتلك الموهبة، ولدينا عدد كبير من اللاعبين الموهوبين القادرين على التطور والوصول إلى مستويات عالية.لكن الموهبة وحدها لا تكفي، فاللاعب يحتاج إلى دقائق لعب كافية، وإلى تحديات فنية مستمرة تساعده على صقل مهاراته وتطوير قدراته.وأنا لا أرى أن الهدف الأساسي يجب أن يكون إرسال اللاعب السعودي إلى أوروبا لمجرد الاحتراف هناك. بل أعتقد أننا يجب أن نعكس المعادلة، وأن نعمل أولاً على صناعة لاعب سعودي قوي داخل دورينا، يستطيع منافسة اللاعب الأجنبي والتفوق عليه وانتزاع مكانه في التشكيلة الأساسية. وعندما نصل إلى مرحلة يصبح فيها اللاعب السعودي قادراً على شغل معظم المراكز بكفاءة عالية، فإن الأندية نفسها قد تجد أنها لا تحتاج إلى أكثر من لاعبين أو ثلاثة أجانب. وعندها، من الطبيعي أن تبدأ الأندية الأوروبية في متابعة اللاعبين السعوديين والسعي إلى التعاقد معهم، لأن مستواهم سيجعلهم مطلوبين فنياً. أما أن نستقطب اللاعبين الأوروبيين إلى دورينا، ثم نتوقع في الوقت نفسه أن ينتقل اللاعب السعودي إلى أوروبا رغم أنه لا يحصل على دقائق لعب كافية هنا، فأعتقد أن هذه معادلة غير منطقية. ولذلك يجب أن نبدأ بتطوير اللاعب السعودي ومنحه فرص المشاركة، وعندما يصبح مستواه مؤهلاً للاحتراف الخارجي، ستأتيه الفرص بصورة طبيعية. • كيف تقيّم اهتمام الأندية السعودية بالفئات السنية واكتشاف المواهب، وهل ترى أن العمل الحالي كافٍ لصناعة جيل جديد من اللاعبين المميزين؟ •• أعتقد أن هناك عملاً جيداً في بعض الأندية السعودية على مستوى الفئات السنية واكتشاف المواهب. فنادي الاتفاق لديه برامج للفئات السنية، وكذلك القادسية والهلال، وأعتقد أن النصر أيضاً لديه عمل في هذا الجانب. أما الأهلي، فقد كان تاريخياً من الأندية المعروفة بمدرسته في الفئات السنية، لكنني لا أعرف بصورة دقيقة وضع هذه البرامج لديه حالياً. كما أن الأكاديميات الرياضية بدأت تتوسع، وهذا تطور إيجابي. لكنني أرى أن الأمر يحتاج إلى رقابة ومتابعة دقيقة جداً، وربما شبه يومية، على برامج الفئات السنية في جميع الأندية، للتأكد من جودة العمل والخطط الفنية والتطويرية. ويجب ألا يكون الاهتمام بالفئات السنية مجرد وجود فرق تشارك في المسابقات، بل ينبغي أن تكون هناك خطط واضحة لتطوير اللاعبين وقياس نتائج العمل. وأعتقد أيضاً أنه من المهم ربط جانب من الدعم المالي الذي تحصل عليه الأندية بما تحققه فعلياً في تطوير المواهب والفئات السنية. فالأندية التي تعمل بصورة جادة وتنتج لاعبين مؤهلين يجب أن يُؤخذ ذلك في الاعتبار عند تقييم عملها ودعمها. • كيف تقيّم دور الرياضة المدرسية والجامعية في اكتشاف المواهب وصناعة الأبطال؟ •• أرى أن الرياضة المدرسية والجامعية من أهم المجالات التي يجب التركيز عليها إذا كنا نريد بناء قاعدة واسعة من الرياضيين وصناعة أبطال للمستقبل. لكن لدي ملاحظة على بعض المسابقات المدرسية، وهي السماح بمشاركة لاعبين مسجلين أصلاً في الأندية الرياضية، خصوصاً في المراحل الدراسية المتقدمة، مثل الصفين الثاني والثالث الثانوي. فمن وجهة نظري، يجب أن يكون الهدف الأساسي من المسابقات المدرسية اكتشاف مواهب جديدة لم تحصل بعد على فرصة الانضمام إلى الأندية. وعندما نسمح للاعبين المسجلين في الأندية بالمشاركة، فإننا قد نقلص فرص ظهور طلاب آخرين لديهم موهبة ولم يجدوا بعد طريقهم إلى الأندية. ولذلك أفضل أن تُخصص هذه المسابقات لاكتشاف لاعبين جدد، مع وضع تنظيم يضمن تحقيق هذا الهدف.أما الرياضة الجامعية، فأعتقد أن دورها في صناعة الأبطال لدينا ضعيف جداً، ويكاد يكون غائباً. وفي المقابل، نرى أن الجامعات في دول أخرى، وخصوصاً الجامعات الأمريكية، تمثل رافداً مهماً للرياضة التنافسية وصناعة الأبطال. وأعتقد، وفق تقديري، أن نسبة كبيرة من أصحاب الميداليات الأولمبية، ربما تصل إلى 50 أو 60%، مروا بتجارب رياضية جامعية، خصوصاً في الولايات المتحدة، وإن كنت لا أطرح هذه النسبة باعتبارها إحصائية موثقة. فهناك رياضيون من جنسيات مختلفة يتدربون ويتطورون داخل الجامعات الأمريكية، ثم يعودون لتمثيل بلدانهم في البطولات الدولية والأولمبية. وأرى أننا بحاجة إلى قفزة كبيرة في الرياضة المدرسية والجامعية، وإلى استراتيجية جديدة للجهات المسؤولة عنها، تتضمن أهدافاً واضحة وقابلة للقياس، بحيث يصبح للجامعات دور فعلي في إعداد الرياضيين وصناعة الإنجازات. • أين تكمن المشكلة الحقيقية في عمل المنتخبات السعودية؟ •• أعتقد أن من المشكلات التي تواجه المنتخبات السعودية عدم وجود فريق عمل مستقر يمتلك الخبرة الكافية ويستمر لفترات طويلة.فالمنتخبات لا تحتاج فقط إلى مدربين أجانب وأجهزة فنية، بل تحتاج أيضاً إلى مختصين سعوديين لديهم خبرة طويلة في الجوانب الفنية والاجتماعية والنفسية المرتبطة باللاعب السعودي. فهؤلاء يستطيعون مساعدة المدرب الأجنبي على فهم طبيعة اللاعب السعودي وبيئته والظروف التي قد تؤثر في أدائه. كما أرى أن المنتخبات الوطنية يجب أن تتمتع بصلاحيات واضحة وقوية في علاقتها بالأندية، خصوصاً فيما يتعلق باستدعاء اللاعبين وتهيئتهم للمعسكرات والمنافسات. أما منتخبات الفئات السنية، فمن المهم أن يكون عملها مرتبطاً بمسابقات محلية مناسبة لكل فئة عمرية، وأن تكون لديها أهداف واضحة للمشاركة في البطولات الخليجية والإقليمية والآسيوية والعالمية. فلا يكفي أن نشكل منتخباً لفئة سنية معينة من دون أن يكون لدينا تصور واضح لما نريد تحقيقه من هذا المنتخب، وكيف سنعد لاعبيه للمنافسة. وأعتقد أن الاستقرار الإداري والفني، ووجود الخبرات الوطنية المساندة، ووضوح الأهداف والصلاحيات، كلها عناصر أساسية لتطوير عمل المنتخبات. • كيف تقيّم أداء الاتحاد السعودي لكرة القدم في المرحلة الحالية؟ •• لا أعتقد أن من المناسب تقييم الاتحاد السعودي لكرة القدم في الوقت الحالي، خصوصاً أن الإدارة السابقة غادرت، والإدارة الجديدة بدأت عملها حديثاً. ومن غير العدل أن نصدر حكماً على فريق عمل لم يحصل بعد على الوقت الكافي لتنفيذ برامجه وإظهار نتائج عمله. ولذلك أرى أن الأفضل هو منح الإدارة الجديدة الفرصة للعمل، ثم تقييم تجربتها لاحقاً بناءً على ما تقدمه من برامج ونتائج. أما إصدار أحكام مبكرة الآن، فأعتقد أنه سيكون غير منصف وغير حكيم. • كيف تنظر إلى استقالة شقيقك ياسر المسحل من رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم؟ •• أرى أن استقالة شقيقي ياسر المسحل من رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم خطوة صحية وطبيعية، فهو قضى فترة كافية في رئاسة الاتحاد، ورأى أن الوقت قد حان لترك المسؤولية وإتاحة الفرصة لغيره. ومن وجهة نظري، فإن هذا القرار يُحسب له، لأنه يعكس قناعته بأن العمل الرياضي لا يرتبط بالأشخاص، وأن من المهم منح الآخرين الفرصة لتولي المسؤولية وتقديم ما لديهم. وفي الوقت نفسه، فإن ابتعاده عن رئاسة الاتحاد لا يعني ابتعاده عن خدمة الرياضة السعودية، فهو لا يزال موجوداً ويسهم في خدمة رياضة الوطن من خلال بعض الملفات، ومنها ما يتعلق بكأس آسيا، إلى جانب التمثيل الدولي في عدد من المناسبات والمحافل الرياضية. ولذلك أنظر إلى استقالته بإيجابية، وأرى أنه اتخذ قراراً طبيعياً بعد أن أمضى الفترة التي رآها مناسبة في رئاسة الاتحاد، وفتح المجال أمام الآخرين لمواصلة العمل وتحمل المسؤولية. • هل حققت صفقات استقطاب النجوم العالميين إلى الدوري السعودي أهدافها التسويقية والفنية؟ •• أعتقد أن مشروع استقطاب النجوم العالميين إلى الدوري السعودي حقق أهدافه من الناحيتين التسويقية والتجارية، وأسهم في تعزيز حضور الدوري وانتشاره على المستوى العالمي. كما أن لهذه الاستقطابات إضافة فنية واضحة، إذ ارتفع المستوى الفني للدوري، واستفاد اللاعبون السعوديون الذين أتيحت لهم فرصة المشاركة والاحتكاك بهؤلاء النجوم من الناحية الفنية. لكن في المقابل، أرى أن بعض الصفقات شهدت مبالغة في قيمتها المالية، وهذه إحدى الملاحظات التي يمكن تسجيلها على تجربة الاستقطاب. أما الملاحظة الأهم من وجهة نظري، فهي أن زيادة عدد اللاعبين الأجانب أدت إلى تقليص فرص مشاركة اللاعبين السعوديين، وأصبحنا لا نمتلك العدد الكافي من اللاعبين المحليين الذين يحصلون على دقائق لعب منتظمة تساعدهم على تطوير مستوياتهم وصقل مهاراتهم. ولذلك، ورغم نجاح المشروع تسويقياً وتجارياً، وإسهامه في رفع المستوى الفني للدوري، فإنني أرى ضرورة معالجة تأثيره على فرص اللاعب السعودي، لأن تطوير الدوري يجب أن يتوازى مع تطوير اللاعبين المحليين ومنحهم فرص المشاركة التي يحتاجون إليها. • كيف ترى الجدل المستمر حول التحكيم في الدوري السعودي، وهل تعتقد أن الأخطاء التحكيمية يمكن القضاء عليها، أم أنها ستظل جزءاً من كرة القدم؟ •• أعتقد أن مشكلات التحكيم موجودة في جميع دوريات العالم، وستستمر إلى الأبد ما دامت كرة القدم تُمارس بطبيعتها الحالية، لأن الجدل حول القرارات التحكيمية جزء من طبيعة اللعبة، وليس أمراً يقتصر على الدوري السعودي. فمن وجهة نظري، نحو 90% من الفرق التي تحقق الفوز لا ترى أن هناك مشكلة في التحكيم، بينما نحو 90% من الفرق التي تتعرض للخسارة ترى أن التحكيم كان أحد أسباب خسارتها. وهذه طبيعة موجودة في كرة القدم، وستظل مستمرة مهما تطورت وسائل التحكيم وآلياته. وبالتأكيد، هناك حكام يرتكبون أخطاء خلال المباريات، كما أن بعض الحكام قد يتأثرون نفسياً عند إدارة مباريات لأندية معينة أو في التعامل مع لاعبين محددين، لكن هذه الحالات يمكن معالجتها مع مرور الوقت واكتساب الخبرة. ومع ذلك، حتى لو نجحنا في تقليص الأخطاء التحكيمية ومعالجة مثل هذه الحالات، فإن الجدل حول التحكيم لن ينتهي، وسيبقى حاضراً في النقاشات الرياضية والإعلامية والجماهيرية. وهذا الأمر لا يحدث لدينا فقط، بل أشاهده في مختلف الدوريات التي أتابعها، بما فيها الدوري الإنجليزي والدوري الإسباني، حيث تستمر الاعتراضات والنقاشات حول القرارات التحكيمية رغم الإمكانات الكبيرة والخبرات المتوافرة. ولذلك أرى أن الأخطاء التحكيمية يمكن العمل على تقليلها، لكن من الصعب جداً إنهاء الجدل حول التحكيم بصورة نهائية، لأنه سيظل جزءاً من طبيعة كرة القدم وتفاعلاتها. • كيف تقيّم مستوى التعصب في الوسط الرياضي السعودي؟ • الحماس الرياضي والانتماء للأندية أمران طبيعيان ومطلوبان إلى حد معين، لكن عندما يتجاوز هذا الحماس حدوده ويتحول إلى تعصب أعمى، يجعل الإنسان يتحدث بطريقة غير منطقية، أو يظهر أحياناً بصورة مضحكة أو متشنجة تجاه الآخرين، فإن الأمر يصبح سلبياً.وأتمنى أن تتراجع هذه الظاهرة وتتلاشى مع مرور الوقت، وأعتقد أننا بحاجة إلى قفزات نوعية في منهجية عمل الإعلام الرياضي السعودي، بما يسهم في الارتقاء بمستوى الطرح والنقاش الرياضي، وأتوقع أن نشهد تغييرات إيجابية في هذا الجانب قريباً. • هل ترى أن الإعلاميات السعوديات حصلن على الحضور والفرص الكافية في الإعلام الرياضي؟ •• لا أملك إجابة دقيقة عن مدى حصول الإعلاميات السعوديات على الفرص الكافية، لأنني لست قريباً من تفاصيل هذا المجال. لكنني ألاحظ أن حضور الإعلاميات السعوديات في المجال الرياضي بدأ يتزايد تدريجياً، وأتمنى أن يجدن كل الدعم والتشجيع. وأرى أنه سيكون من الجيد أن تبدأ الإعلاميات بتوسيع اهتمامهن وتغطياتهن للرياضات المختلفة، مثل الجمباز والمبارزة والسباحة والفروسية وغيرها من الألعاب، وألا يقتصر التركيز منذ البداية على كرة القدم وحدها. فكرة القدم لها مجتمعها وطبيعتها وبروتوكولاتها وسياقها الإعلامي الخاص، ولذلك أعتقد أن التدرج في تغطية الرياضات الأخرى واكتساب الخبرة فيها قد يفتح أمام الإعلاميات فرصاً أوسع، ويساعدهن على الوصول إلى ما يطمحن إليه مستقبلاً. • كيف تقيّم دور السيدات في الرياضة السعودية، خصوصاً في ظل تطور المسابقات النسائية وظهور دوري كرة القدم للسيدات؟ •• بصراحة، لا أتابع الرياضة النسائية بالشكل الذي يسمح لي بتقديم تقييم دقيق لمستواها أو تطورها. فحتى على مستوى دوري روشن السعودي، لا أتابع إلا جزءاً محدوداً من المباريات، أما دوري السيدات فلا أتذكر أنني شاهدت مباراة فيه حتى الآن.ولذلك لا أستطيع إصدار حكم على مستوى المنافسات النسائية أو تقييمها، لكنني أتمنى لجميع الرياضيات السعوديات التوفيق والنجاح، وأن يحققن ما يطمحن إليه من إنجازات. • هل تعاني حوكمة القطاع الرياضي السعودي من تداخل الصلاحيات وضعف الشفافية والمحاسبة، وما الذي تحتاجه المؤسسات الرياضية في هذا الجانب؟ •• أعتقد أن جانب الحوكمة في القطاع الرياضي يحتاج إلى مزيد من الاهتمام، خصوصاً فيما يتعلق بنشر الوعي بمفاهيمها ومتطلباتها وآليات تطبيقها. وأرى ضرورة تنظيم دورات وبرامج تثقيفية متخصصة في الحوكمة، تستهدف جميع العاملين والمعنيين بالمسابقات الرياضية والاتحادات والأندية، بحيث يكون لدى كل طرف فهم واضح للأنظمة والإجراءات والمسؤوليات المرتبطة بعمله. فرفع مستوى الوعي بالحوكمة لدى مختلف الأطراف المعنية يُعد خطوة مهمة نحو تطوير العمل المؤسسي في القطاع الرياضي. • كيف يمكن للرياضة السعودية الاستفادة من استضافة كأس آسيا وكأس العالم في تطوير الكوادر الوطنية، وضمان استمرار أثر هذه البطولات بعد انتهائها؟ •• الاستفادة الحقيقية من استضافة البطولات الكبرى، مثل كأس آسيا وكأس العالم، يجب أن تبدأ من الآن من خلال مشروع متكامل لتطوير وتأهيل الكوادر السعودية، حتى تكون قادرة على القيام بمسؤولياتها في تنظيم هذه الأحداث وإدارتها.فبطولة كأس آسيا أصبحت قريبة، لكن بالنسبة إلى كأس العالم، أرى أن الهدف يجب أن يكون تنظيم البطولة وإدارتها بأيدٍ سعودية بالكامل، أو بنسبة لا تقل عن 90% من الكوادر الوطنية.ولتحقيق ذلك، كان من المفترض البدء في برامج التدريب والتأهيل والتثقيف منذ وقت مبكر، سواء من الآن أو حتى قبل عام أو عامين، بحيث تشمل هذه البرامج جميع المستويات والتخصصات المرتبطة بتنظيم البطولات الكبرى.فنحن بحاجة إلى إعداد كوادر وطنية مؤهلة في مختلف المجالات، حتى لا تقتصر الاستفادة من استضافة كأس العالم على فترة إقامة البطولة فقط، بل تمتد إلى بناء خبرات سعودية قادرة على إدارة الأحداث الرياضية الكبرى مستقبلاً. • كيف تقيّم المشاركات الخارجية للأندية السعودية؟ •• أرى أن المشاركات الخارجية للأندية السعودية قوية وجيدة، خصوصاً في بطولة دوري أبطال آسيا، وهي تسهم في تعزيز سمعة الرياضة السعودية وزيادة حضورها على المستوى القاري والدولي.وأعتقد أن هذه المشاركات يجب أن تستمر وتتطور، لأنها تمثل جانباً مهماً من الحضور الرياضي السعودي خارجياً.كما أرى أن مستوى هذه المشاركات يواكب حجم الدعم والاستثمارات التي تحظى بها الأندية السعودية، مع ضرورة إدراك أن الأندية في الدول الأخرى تعمل وتتطور وتستقطب اللاعبين أيضاً، فنحن لسنا وحدنا من يستثمر ويعمل على تطوير كرة القدم.ولذلك فإن المنافسة ستظل قوية، وتتطلب استمرار العمل والتطوير للمحافظة على الحضور المميز للأندية السعودية. • كيف تقيّم مشاركة الفرق السعودية في كأس العالم للأندية؟ •• أرى أن مشاركة الهلال في كأس العالم للأندية كانت جيدة وموفقة، وقدّم خلالها مشاركة إيجابية.أما فيما يتعلق بعدم انعكاس نجاحات الأندية على مستوى المنتخب السعودي، فأعتقد أن المقارنة بينهما ليست دقيقة، لأن هناك اختلافاً كبيراً في طبيعة العمل الفني بين الأندية والمنتخبات. فالمدرسة التدريبية التي يعمل بها النادي قد تختلف عن المدرسة التدريبية للمنتخب، كما أن الأندية تعتمد على عناصر أجنبية مؤثرة لا تتوافر بطبيعة الحال في المنتخب الوطني. ولذلك فإن الظروف والإمكانات والعناصر الفنية تختلف بين الطرفين، ومن الصعب إجراء مقارنة مباشرة بين نتائج النادي ونتائج المنتخب أو افتراض أن نجاح أحدهما يجب أن ينعكس تلقائياً على الآخر. • هل تكشف قضايا الأندية مع اللاعبين عن ضعف في إدارة العقود والاحتراف داخل الأندية السعودية؟ •• بعيداً عن تفاصيل القضايا، أعتقد أن إدارة العقود والاحتراف في الأندية السعودية تحتاج إلى مراجعة وتطوير. فمن وجهة نظري، هناك ربما نادٍ أو ناديان يتميزان في هذا الجانب، لكن الغالبية العظمى من الأندية لا تزال بحاجة إلى إعادة النظر في طريقة إدارة ملفات العقود والاحتراف وتطوير مستوى العمل فيها. وأرى أن هذا الجانب يستحق اهتماماً أكبر، نظراً لأهميته في حماية مصالح الأندية وتنظيم علاقاتها التعاقدية مع اللاعبين. • سبق أن تحدثت عن تدخل بعض رؤساء الأندية في عمل المدربين واختيارات اللاعبين، فهل تعتقد أن هذه الممارسات لا تزال موجودة؟ •• لا أستطيع الجزم بوجود مثل هذه التدخلات حالياً، لأنني لا أملك معلومات مباشرة تؤكد استمرارها. لكن لدي إحساس بأنها ربما لا تزال موجودة بصورة محدودة في بعض الأندية، وإن كانت بدرجة أقل بكثير مما كانت عليه في السابق. وأعتقد أن نسبة التدخلات الكبيرة التي كنا نشاهدها في مراحل سابقة لم تعد موجودة اليوم بالشكل نفسه، وهذا تطور إيجابي يعكس تحسناً في مستوى العمل الإداري والمهني داخل الأندية. • سبق أن انتقدت بعض الممارسات الإدارية في الأندية السعودية، فما أبرز تلك الممارسات؟ •• انتقاداتي السابقة كانت تتعلق بممارسات إدارية محددة داخل الأندية، ولم تكن موجهة إلى أشخاص بعينهم. فعلى سبيل المثال، كنت أنتقد وجود بعض رؤساء الأندية على مقاعد البدلاء أثناء المباريات، والحمد لله، اختفت هذه الممارسة. كما كنت أنتقد نزول رؤساء الأندية إلى أرض الملعب والحديث مع الحكام، سواء بين شوطي المباراة أو بعد نهايتها، وهذه الممارسة أيضاً اختفت إلى حد كبير. ولا أزال أرى أن دخول رئيس النادي إلى غرفة ملابس اللاعبين قد يسبب تشويشاً على عمل المدرب، خصوصاً إذا كان التدخل في توقيت يحتاج فيه الجهاز الفني إلى التركيز وإدارة الفريق بعيداً عن أي مؤثرات خارجية. لكن بشكل عام، أعتقد أن معظم الممارسات التي كنت أنتقدها قد اختفت، وأن الأندية بدأت تعمل بمهنية أكبر، وهذا أمر إيجابي. ولم أتعرض لضغوط أو محاولات لإيقاف تلك الانتقادات الهادفة. فأنا لم أكن أطرح آراء شاذة أو خارجة عن المألوف، وإنما كنت أنتقد ممارسات إدارية أرى أنها تحتاج إلى تصحيح. • في ختام هذا الحوار، ما رسالتك الأخيرة بشأن مستقبل الرياضة السعودية، وما أبرز تطلعاتك للمرحلة القادمة؟ •• أتمنى، بإذن الله، أن نشهد خلال المرحلة القادمة قفزات نوعية وكبيرة جداً في الرياضة السعودية، وأن يمتد التطور والدعم إلى مختلف الألعاب الرياضية، وألا يقتصر الاهتمام على رياضات معينة، بل يشمل جميع الرياضيين والرياضيات في المملكة. كما أتطلع إلى رؤية استراتيجية وطنية قوية وواضحة ومعلنة، تتضمن أهدافاً طموحة وبرامج عملية تسهم في تطوير القطاع الرياضي وصناعة الأبطال والبطلات، بما يتناسب مع الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها المملكة. فبلادنا تستحق الأفضل دائماً، ولدينا من المقومات والدعم ما يجعلنا قادرين على تحقيق إنجازات أكبر في مختلف المحافل الرياضية. وأتمنى التوفيق والنجاح لكل من يعمل في هذا القطاع، ولكل من يسهم في خدمة الرياضة السعودية وتطويرها.وفي الختام، أجدد شكري، بعد شكر الله سبحانه وتعالى، لمقام سيدي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد، على ما يقدمانه من دعم للقطاع الرياضي وللرياضيين والرياضيات في المملكة.ولهم مني بالغ الشكر والتقدير، سائلاً الله أن يديم على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار.